النويري
23
نهاية الأرب في فنون الأدب
ولو أن لي يدا تكتب ، أو لسانا يسهب ؛ أو خاطرا يستهلّ ، أو فؤادا يستدلّ ؛ لوصفت إليه شوقا إن استمسك بالجفون نثر عقدها ، أو نزل بالجوانح أسعر وقدها ؛ أو تنفّس مشتاق أعان على نفسه ، وظنّه استعاره من قبسه ؛ أو ذكر محبّ حبيبا خاله خطر في خلده ، وتفادى من أن يخطر به ذكر جلده حتى كأنّ حبيبا قبل فرقته لا عن أحبّته ينأى ولا بلده باللَّه لا ترحموا قلبي وإن بلغت به الهموم فهذا ما جنى بيده ولولا رجاؤه أنّ أوقات الفراق سحابة صيف تقشعها الرياح ، وزيارة طيف يخلعها الصباح ؛ لاستطار فؤاده كمدا ، ولم يجد ليوم مسرّته أمدا ؛ ولكنه يتعلَّل بميعاد لقياه ، ويدافع ما أعلَّه بلعلَّه أو عساه غنى في يد الأحلام لا أستفيده ودين على الأيّام لا أتقاضاه ومن غرائب هذه الفرقة ، وعوارض هذه الشّقة ؛ أنّ مولاي قد بخل بكتابه وهو الذي يداوى به أخوه غليل اكتئابه ، ويستعديه على طارق الهمّ إذا لجّ في انتيابه كمثل يعقوب ضلّ يوسفه فاعتاض عنه بشم أثوابه وهب أنّ فلانا عاقه عن الكتب عائق ، واختدع ناظره كمن هو في ناضر عيش رائق ؛ فما الذي عرض لمولانا حتى صار جوهر ودّه عرضا ، وجعل قلبي لسهام إعراضه غرضا ؟ بي منه ما لو بدا للشمس ما طلعت من المكاره أو للبرق ما ومضا « 1 » وما عهدته - أدام اللَّه سعادته - إلا وقد استراحت عواذله ، وعرّى « 2 » به أفراس
--> « 1 » البيت لأبى العلاء المعرّى ( سقط الزند ) . « 2 » لعله : « منه » ؛ يشير بهذه العبارة إلى قول زهير بن أبي سلمى : صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله وعرى أفراس الصبا ورواحله